يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

318

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

من أمته في الدنيا أنها حظه من نار الآخرة ، ولذلك نهى عن سبها حين دخل على أم السائب وأم المسيب فقال : ما لك نزفزفين ؟ قالت : الحمى لا بارك فيها ، فقال : لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد . والزفزفة صوت المرتعد من البرد ، وقال فيها : الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء . وجاء في لفظ آخر : الحمى رائد الموت وسجن اللّه في الأرض فبردوا لها الماء في الشنان ثم صبوه عليكم ، فيما بين الصلاتين ، قال : يعني المغرب والعشاء ، خرّجه ثابت بن قاسم في الدلائل ، وقال في تفسير : سجن اللّه في الأرض ، يريد أنها تمنع من التقلب والتصرف كما يمنع المسجون . قال : وحدّثنا إسماعيل الأسدي قال : حدّثنا عمر بن شبة قال : حدّثني عاصم بن بهلول قال : دخلت على شيخ الأعراب له زهد وورع قد أحرضته العلة وهو يتقلب على فراشه وينظر في وجوه أحبته ، لا يستطيعون كشف كربته ، يريد النهوض فلا يستطيع ، وما عليه غل ولا قيد ، وأسير الملوك في المطابق والحبوس وفي الأغلال والقيود ، وأنشد يقول : أسير الملوك له المطبق * ومن دونه رتج مغلق وإما هوانا بثقل الحديد * وضرب السياط التي تحرق وأما أسير مليك العباد * وإن حازه الغرب والمشرق ففي بيته وعلى فرشه * أسير وظاهره مطلق يطيل التقلب فوق الفرا * ش مخلى وباطنه موثق ففي مثل هذا وفي شبهه * دليل على اللّه مستنطق قوله في أوّل بيت : رتج ، فإنه الباب المغلق ، ويقال له : الرتاج . وقالوا : فلان في كلامه رتج ، أي تتعتع وعيّ ، وهو من قولهم : رتج فلان وبكم ، إذا انقطع عن الكلام ، وكذلك : أرتج على فلان ، إذا أراد قولا فلم يصل إلى تمامه . ويروى أن عثمان رضي اللّه عنه صعد المنبر فأرتج عليه ، ثم قال : الحمد للّه ، إنّ أوّل كل مركب صعب ، وإنّ أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا ، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل ، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها وتعلم الناس إن شاء اللّه . ونوع من هذا أرتج على أمير يوم عيد الأضحى ، فسكت طويلا ثم قال : سيجعل اللّه بعد عسر يسرا وبعد عيّ بيانا ، وأنتم إلى أمير فعّال أحوج منكم إلى أمير قوّال ، وإني لا أجمع عليكم عيا ولوما ، من كانت له أضحية فليذبحها ، ومن لم تكن له فعليّ ثمنها ، قوموا رحمكم اللّه ، أو كما قال . ومن أحسن ما قيل في خطيب : ركوب المنايا وثابها * معز لخطبته مجهر